بقلم : وسام جردات

     تشهد إدارة المشاريع تحولاً جذرياً في ظل التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي، مما يفرض تحديات وفرصاً غير مسبوقة على مديري المشاريع الساعين لتحقيق الاستدامة. فبينما يعد الذكاء الاصطناعي بتحسينات كبيرة في الكفاءة التشغيلية واتخاذ القرارات، إلا أنه يحمل معه بصمة كربونية متنامية قد تقوض أهداف الاستدامة ذاتها. يستكشف هذا المقال التقاطع المعقد بين إدارة المشاريع المستدامة والذكاء الاصطناعي، مقدماً رؤى عملية لمديري المشاريع الراغبين في تسخير قوة التكنولوجيا دون المساس بالمسؤولية البيئية والاجتماعية.

تشير تقديرات شركة جارتنر إلى أن 80% من مهام إدارة المشاريع ستكون معززة بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025، مما يحول دور مدير المشروع نحو القيادة الاستراتيجية والابتكار.[1] هذا التحول يعني أن مديري المشاريع لن يعودوا منشغلين بالمهام الإدارية الروتينية، بل سيركزون على الجوانب التي تتطلب الحكمة الإنسانية: بناء العلاقات مع أصحاب المصلحة، تعزيز الإبداع، وتوجيه الرؤية الاستراتيجية للمشروع.

ورغم هذه الإمكانات، تواجه المؤسسات واقعاً صعباً، إذ لا تزال نسبة نجاح المشاريع عالمياً عند 35% فقط[2].  هذا المعدل المنخفض يعود جزئياً إلى محدودية نضج التقنيات المتاحة، لكن التطورات الجارية في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي تبشر بتحسينات كبيرة في اختيار المشاريع، تحديد الأولويات، مراقبة التقدم، وتسريع إعداد التقارير.

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي: التحدي الخفي

بينما يقدم الذكاء الاصطناعي حلولاً واعدة للاستدامة، فإنه يحمل تناقضاً جوهرياً: البصمة الكربونية الضخمة للنماذج الذكية ذاتها. تشير الدراسات إلى أن تدريب نموذج GPT-3 ينتج حوالي 247 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ما يعادل انبعاثات سيارة تقطع أكثر من 700 ألف كيلومتر . [3]وتستهلك مراكز البيانات التي تستضيف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة، مما يجعل متطلبات الطاقة للذكاء الاصطناعي تتضاعف تسع مرات سنوياً.

هذا الواقع يطرح سؤالاً محورياً: كيف يمكن لمديري المشاريع تسخير قوة الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهداف الاستدامة دون أن تتفوق البصمة الكربونية للتكنولوجيا ذاتها على الفوائد المحققة؟ الإجابة تكمن في مفهوم “الخوارزميات الخضراء” – وهي بنى ذكية مصممة خصيصاً لتحسين الكفاءة التشغيلية مع تقليل الأثر البيئي[4].

الخوارزميات الخضراء:

تمثل الخوارزميات الخضراء نقلة نوعية في تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تدمج الاستدامة في كل مرحلة من دورة حياة الذكاء الاصطناعي، من البحث والتطوير إلى النشر والصيانة .[5] وتتضمن الاستراتيجيات الرئيسية لتحقيق ذلك:

  • ليست جميع الخوارزميات متساوية في استهلاك الطاقة.

أظهرت دراسة في جامعة ستانفورد أن طلاب فصل التعلم المعزز استخدموا خوارزميتين بأداء متماثل، لكن إحداهما استهلكت طاقة أكبر بكثير. لو استخدم جميع الطلاب الخوارزمية الأكثر كفاءة، لتم توفير 880 كيلووات/ساعة – ما يعادل استهلاك أسرة أمريكية نموذجية لمدة شهر. [6]

  • تأثير الموقع الجغرافي لمراكز البيانات

يمكن أن يحدث موقع تدريب الذكاء الاصطناعي فرقاً كبيراً في الانبعاثات الكربونية. قدّر الباحثون أن تشغيل جلسة تدريب في إستونيا، التي تعتمد بشكل كبير على زيت الصخر الزيتي، سينتج 30 ضعف حجم الكربون مقارنة بنفس الجلسة في كيبيك، التي تعتمد أساساً على الطاقة الكهرومائية.[7]هذا يوفر فرصة كبيرة لمديري المشاريع لتقليل البصمة الكربونية من خلال اختيار مواقع استضافة تعتمد على الطاقة المتجددة.

  • أدوات قياس البصمة الكربونية

طورت فرق بحثية عدة أدوات لقياس وتتبع البصمة الكربونية للحوسبة، منها Green Algorithms وCodeCarbon و CarbonTracker (Lannelongue et al., 2021)   توفر هذه الأدوات للباحثين ومهندسي البرمجيات رؤية واضحة حول كفاءة عملهم الكربونية وتشجعهم على تصميم خوارزميات أكثر اقتصاداً. يمكن لمديري المشاريع دمج هذه الأدوات في عمليات المشروع لمراقبة وتقليل الانبعاثات بشكل مستمر.

إطار عمل خماسي للخوارزميات الخضراء

يحتاج مديرو المشاريع إلى إطار عمل منهجي لتطبيق الخوارزميات الخضراء. يقترح الخبراء نموذجاً من خمس خطوات[8]

  • تحديد أهداف الاستدامة

يجب أن تبدأ كل مشروع بتحديد واضح لأهداف الاستدامة – سواء كانت خفض الانبعاثات، تحسين كفاءة الطاقة، أو تقليل النفايات. هذه الأهداف يجب أن تكون محددة وقابلة للقياس ومرتبطة باستراتيجية المؤسسة للتنمية المستدامة.

  • مركزية البيانات

تعتمد فعالية الخوارزميات الخضراء على جودة وتوافر البيانات. يجب على المؤسسات جمع وتنظيف بيانات المشاريع بشكل منهجي، مع التركيز على المقاييس البيئية والاجتماعية إلى جانب المالية والتشغيلية.

  • تخصيص الخوارزميات

الخوارزميات ليست حلولاً جاهزة للاستخدام. يجب تخصيصها لتناسب السياق المحدد للمشروع، مع الأخذ في الاعتبار خصائص الصناعة، المتطلبات التنظيمية، وتوقعات أصحاب المصلحة.

  • الاختبار التجريبي

قبل النشر الكامل، يجب اختبار الخوارزميات في بيئة محكومة لتقييم أدائها وتحديد الفجوات. هذا النهج يقلل المخاطر ويسمح بالتحسينات المتدرجة.

  • التطبيق على نطاق واسع

بعد نجاح الاختبار التجريبي، يمكن توسيع نطاق التطبيق مع المراقبة المستمرة والتحسين المتواصل.

تطبيقات عملية في إدارة المشاريع المستدامة

  • تحسين تخطيط الموارد

يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل أنماط استخدام الموارد وتحديد فرص التحسين. في مشاريع البناء، على سبيل المثال، يمكن للنماذج التنبؤية تقليل هدر المواد بنسبة كبيرة من خلال التنبؤ الدقيق بالاحتياجات وجدولة التسليم الأمثل.

  • تقييم المخاطر البيئية

تساعد خوارزميات التعلم الآلي في تحديد وتقييم المخاطر البيئية بدقة أكبر من الأساليب التقليدية. يمكنها تحليل كميات هائلة من البيانات البيئية والتاريخية للتنبؤ بالتأثيرات المحتملة واقتراح استراتيجيات التخفيف.

  • مراقبة الاستدامة في الوقت الفعلي

أطلقت شركة مايكروسوفت في عام 2020 مبادرة “Planetary Computer”، وهي منصة تجمع بيانات بيئية على نطاق عالمي وتجعلها متاحة لحلول الاستدامة[9]. يمثل هذا المشروع نموذجاً لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة وتحسين الأداء البيئي للمشاريع في الوقت الفعلي.

  • التكامل عبر مراحل المشروع

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن كل مرحلة من مراحل إدارة المشاريع المستدامة توفر بيئة مناسبة لدمج ممارسات الذكاء الاصطناعي لتحسين عملية اتخاذ القرار والتنفيذ والتقييم [10] .

  • مرحلة البرمجة

في هذه المرحلة، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل جدوى المشاريع من منظور الاستدامة، مساعداً في اختيار المشاريع التي تحقق أكبر تأثير إيجابي مع أقل بصمة بيئية.

  • مرحلة التخطيط

يمكن للخوارزميات الذكية تحسين جداول المشروع، تخصيص الموارد، وتصميم استراتيجيات المشتريات المستدامة. كما يمكنها محاكاة سيناريوهات مختلفة لتقييم التأثيرات البيئية والاجتماعية المحتملة.

  • مرحلة التنفيذ والمراقبة

يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانيات مراقبة مستمرة للأداء البيئي والاجتماعي، مع تنبيهات فورية للانحرافات عن المعايير المحددة. يمكن للأنظمة الذكية أيضاً اقتراح تعديلات في الوقت الفعلي لتحسين النتائج.

  • مرحلة الإغلاق والتقييم

في نهاية المشروع، يمكن للذكاء الاصطناعي إجراء تحليلات شاملة للدروس المستفادة، تحديد أفضل الممارسات، وتوليد توصيات لتحسين المشاريع المستقبلية.

التحديات والاعتبارات الأخلاقية

  • فجوة المهارات

يتطلب تطبيق الذكاء الاصطناعي في إدارة المشاريع مهارات جديدة. يحتاج مديرو المشاريع إلى فهم إمكانيات وقيود الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة لأن يصبحوا خبراء تقنيين. برامج التعليم المستمر والشهادات في أدوات الذكاء الاصطناعي : مثل Jira وTrello   المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورية.

  • إشراك أصحاب المصلحة

أظهرت دراسات الحالة أن الإشراك المبكر لأصحاب المصلحة أمر حاسم لضمان دعم المجتمع والالتزام بالتنظيمات البيئية.[11] يجب على مديري المشاريع التواصل بوضوح حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي وضمان الشفافية في عمليات اتخاذ القرار.

  • التوازن بين الأداء والاستدامة

قد تكون الخوارزميات الأكثر كفاءة من حيث الطاقة أقل دقة قليلاً من نظيراتها الأكثر استهلاكاً للطاقة. يحتاج مديرو المشاريع إلى إيجاد توازن مدروس بين الأداء والاستدامة، مع الأخذ في الاعتبار سياق المشروع وأهدافه.

  • المنهجيات الهجينة: الرشاقة تلتقي بالاستدامة

تشير التوجهات الحديثة إلى أن المنهجيات الهجينة التي تجمع بين Agile والنماذج التقليدية تكتسب زخماً، خاصة عند دمج أهداف الاستدامة[12]. أثبت تقرير Pulse of the Profession لعام 2024 أن Agile تُستخدم الآن في صناعات تتجاوز تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك البناء والرعاية الصحية والاتصالات.

المرونة التي توفرها Agile تجعلها مناسبة بشكل خاص لمشاريع الاستدامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث تسمح بالتكيف السريع مع الرؤى الجديدة والتحسينات المتكررة. في الوقت نفسه، يمكن دمج عناصر من الإدارة التقليدية للمشاريع لضمان الرقابة الصارمة على المعايير البيئية والاجتماعية.

  • دور مكاتب إدارة المشاريع الاستراتيجية

تتطور مكاتب إدارة المشاريع (PMOs) لتصبح محركات استراتيجية للابتكار والاستدامة (PMICIE, 2025). بدلاً من الاقتصار على الأدوار الإدارية. تقود PMOs الآن مبادرات التحول الرقمي، وتضمن توافق المشاريع مع أهداف الاستدامة المؤسسية، وحتى تعمل كحاضنات للأفكار الجديدة.

في هذا السياق، يمكن لـ PMOs أن تلعب دوراً محورياً في نشر الخوارزميات الخضراء عبر المؤسسة، وضع المعايير، وتوفير التدريب والدعم لفرق المشاريع.

الاتجاهات المستقبلية

  • وكلاء الذكاء الاصطناعي

يتوقع الخبراء أن عام 2025 سيكون “عام وكلاء الذكاء الاصطناعي” – أنظمة ذكية قادرة على العمل بشكل مستقل لتحقيق أهداف محددة(PMI, 2025). في سياق إدارة المشاريع المستدامة، يمكن لهؤلاء الوكلاء مراقبة المؤشرات البيئية تلقائياً، اتخاذ قرارات تصحيحية، وحتى التفاوض مع الموردين لضمان ممارسات مستدامة.

  • معايير الإبلاغ عن البصمة الكربونية

هناك دعوات متزايدة لإلزام الشركات بالإبلاغ عن البصمة الكربونية لنماذج الذكاء الاصطناعي . يمكن أن يشمل ذلك إدخال حوافز ضريبية للشركات التي تتبنى أجهزة موفرة للطاقة وإلزام تقارير البصمة الكربونية لنماذج الذكاء الاصطناعي.

  • التكامل مع أهداف التنمية المستدامة

يتماشى الذكاء الاصطناعي الأخضر مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف 13 (العمل المناخي) والهدف 9 (الصناعة والابتكار والبنية التحتية). مديرو المشاريع مدعوون للتفكير في كيفية مساهمة مشاريعهم في هذه الأهداف العالمية.

إدارة المشاريع المستدامة في زمن الذكاء الاصطناعي ليست مجرد تحدٍ تقني، بل هي فرصة لإعادة تصور كيف نخطط وننفذ ونقيّم المشاريع. الذكاء الاصطناعي لن يستبدل مديري المشاريع، لكن مديري المشاريع الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيستبدلون أولئك الذين لا يفعلون. المفتاح هو النهج المتوازن الذي يسخر قوة التكنولوجيا بينما يظل راسخاً في القيم الإنسانية والمسؤولية البيئية.

من خلال تبني الخوارزميات الخضراء، تطبيق أطر عمل منهجية، والاستثمار في بناء القدرات، يمكن لمديري المشاريع قيادة التحول نحو مستقبل أكثر استدامة – مستقبل حيث يكون الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للكفاءة، بل حليفاً في مواجهة التحديات البيئية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً في عصرنا.

—–

[1] (Institute of Project Management, 2025)

[2] (Nieto-Rodriguez, 2023).

[3] (Thomas, 2024).

[4]  (Nieto-Rodriguez, 2023)

[5] (Carbon Credits, 2024).

[6] (Stanford HAI, n.d.).

[7]  (Stanford HAI, n.d.).

[8] (Nieto-Rodriguez, 2023):

[9] (Nieto-Rodriguez, 2023)

[10] (Toljaga-Nikolic et al., 2024)

[11] (Orieno et al., 2024)

[12]  (Elmhurst University, 2024).

المراجع

Carbon Credits. (2024). Green AI Explained: Fueling Innovation with a Smaller Carbon Footprint. Retrieved from https://carboncredits.com/green-ai-explained-fueling-innovation-with-a-smaller-carbon-footprint/

Elmhurst University. (2024). The Future of Project Management: Trends and Technologies. Elmhurst University Blog. Retrieved from https://www.elmhurst.edu/blog/the-future-of-project-management-trends-and-technologies/

Institute of Project Management. (2025). AI in Project Management: Transforming Chaos into Strategic Success. Retrieved from https://instituteprojectmanagement.com/blog/ai-in-project-management/

Lannelongue, L., Grealey, J., & Inouye, M. (2021). Green Algorithms: Quantifying the Carbon Footprint of Computation. Advanced Science, 8(12), 2100707. https://doi.org/10.1002/advs.202100707

Nieto-Rodriguez, A. (2023). The Opportunities at the Intersection of AI, Sustainability, and Project Management. Harvard Business Review. Retrieved from https://hbr.org/2023/10/the-opportunities-at-the-intersection-of-ai-sustainability-and-project-management

Orieno, O. H., Ndubuisi, N. L., Eyo-Udo, N. L., Ilojianya, V. I., & Biu, P. W. (2024). Integrating Artificial Intelligence to Enhance Sustainability in Project Management Practices. International Journal of Computer Applications, 186(20), 1-8.

PMICIE. (2025). Top Project Management Trends for 2025. Retrieved from https://pmicie.org/articles/114-top-project-management-trends-for-2025

Project Management Institute. (2025). The AI in Project Management Global Report: 1 Year Later, 2025 and Beyond. Retrieved from https://www.projectmanagement.com/articles/1049056

Stanford HAI. (n.d.). AI’s Carbon Footprint Problem. Stanford Human-Centered Artificial Intelligence. Retrieved from https://hai.stanford.edu/news/ais-carbon-footprint-problem

Thomas, R. J. (2024). The Green Algorithm: Measuring Sustainability in AI. Medium. Retrieved from https://medium.com/version-1/the-green-algorithm-measuring-sustainability-in-ai-4c775e811c2a

Toljaga-Nikolic, D., Stojiljković, S., & Stepanović, V. (2024). Harmonizing AI with Project Management Phases for Sustainable Initiatives. Proceedings of the IPMA Research Conference 2024.

 

Share via